«اشرب ثمانية أكواب يوميًا» جملة سمعناها جميعًا حتى صارت قاعدة لا تُناقش، مع أن أحدًا لا يعرف على وجه الدقة من أين جاءت، ولا أن جسمك يحتاج إلى الرقم نفسه الذي يحتاجه جسم شخص آخر يختلف عنك في الوزن والنشاط والمناخ. والحقيقة أن الماء يشكل نسبة كبيرة من وزن الجسم، وأن نقصه ولو بدرجة طفيفة يؤثر في التركيز والمزاج والأداء قبل أن تشعر بعطش واضح. في هذا المقال نحسب الاحتياج الواقعي من جهات علمية معتمدة، ونوضح من أين يأتي الماء غير الكوب، ونكشف العلامات المبكرة للجفاف، ونتناول حالات يحتاج فيها الأمر إلى حذر أو استشارة طبية.

كم ماءً يحتاج الجسم يوميًا، وما أصل قاعدة الأكواب الثمانية؟

قدّرت الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب الاحتياج الكافي من السوائل الكلية، أي من كل المصادر بما فيها الأطعمة، بنحو 3.7 لتر يوميًا للرجال البالغين و2.7 لتر للنساء البالغات. وهذه الأرقام تشمل الماء الموجود في الطعام، وهو نحو خمس الكمية الإجمالية تقريبًا، وليست كميات «ماء صرف» تشربها كلها من الكوب. وتقدّر هذه الأرقام لأشخاص أصحاء في ظروف معتدلة، وهي مقياس استرشادي، لا هدف يجب بلوغه بدقة.

أما قاعدة الأكواب الثمانية فهي تقريبية جدًا، وقد تكون كافية لشخص قليل النشاط في مكان معتدل ومقصّرة لمن يتعرق كثيرًا، وفوق الحاجة لمن يأكل كثيرًا من الشوربة والفواكه والخضار. والأفضل أن تعتبرها نقطة بداية، ثم تضبط كميتك بحسب عطشك ولون بولك ونشاطك ومناخ المكان الذي تعيش فيه.

من أين يأتي ماء جسمك غير كوب الماء، وهل تحسب القهوة والشاي ضمن الحصة؟

يحصل الجسم على السوائل من كل ما تأكله وتشربه. فالخضار والفواكه مثل الخيار والبطيخ والبرتقال والطماطم تحتوي على نسبة عالية من الماء، والشوربات والحليب واللبن والزبادي تساهم كذلك. والشاي والقهوة والمشروبات المنكهة تُحسب أيضًا ضمن السوائل، فالتأثير المدر للبول للكافيين خفيف عند الاستهلاك المعتاد ولا يلغي الماء الذي فيها لدى معظم الناس.

لكن ليست كل السوائل متساوية في فائدتها. فالمشروبات الغازية والعصائر المحلاة ومشروبات الطاقة ترطّب الجسم لكنها تضيف سكرًا وسعرات لا حاجة إليها، وكوب واحد منها قد يستهلك جزءًا كبيرًا من حصتك اليومية من السكر المضاف. فاجعل الماء مشروبك الأساسي، وأبقِ القهوة والشاي بدون سكر أو بقليل منه، واعتبر العصير الطبيعي مشروبًا عرضيًا وليس بديلًا عن الماء.

ما العلامات المبكرة للجفاف، وكيف يخبرك لون البول بحالة ترطيبك؟

أولى العلامات هي العطش نفسه، لكن لا تنتظره دائمًا، فقد يظهر بعد أن يبدأ النقص فعلًا. ومن العلامات المبكرة أيضًا جفاف الفم والشفتين، والصداع الخفيف، وتراجع التركيز، والشعور بالتعب وتقلب المزاج، وقلة التبول، وجفاف الجلد. وفي حالات الجفاف الشديد قد تظهر دوخة عند الوقوف وخفقان وسرعة تنفس وتشوش، وهي حالة تستدعي رعاية طبية عاجلة.

ومن أسهل المؤشرات العملية لون البول: فاللون الأصفر الفاتح يشير في الغالب إلى ترطيب جيد، والأصفر الداكن أو العنبري يدل على أنك تحتاج إلى سوائل أكثر. ويستثنى من هذا من يتناول فيتامينات مركبة أو بعض الأدوية والأطعمة كالشمندر التي تغير اللون، فلا تحكم عليه بمعزل عن الظروف. وإذا لاحظت بولًا داكنًا جدًا مع ألم أو حرقة أو دم فراجع الطبيب.

كيف يتغير احتياجك من الماء في الحر والرياضة والسفر وأيام الصيام؟

في المناطق الحارة يفقد الجسم كميات أكبر من السوائل عبر التعرق، حتى وأنت جالس في الظل، وتزداد الحاجة أكثر مع المجهود. فمن يمارس الرياضة أو يعمل في الخارج يحتاج إلى أن يشرب قبل النشاط وأثناءه وبعده، ويضيف أملاحًا في الجهد الطويل أو الحر الشديد، وقد تفيد المشروبات المعدة لذلك إذا زاد النشاط عن ساعة. أما الجهد القصير فيكفيه الماء العادي.

وأثناء السفر، خاصة في الطائرات حيث الهواء جاف، يستحسن أن تشرب قدرًا منتظمًا وتقلل الكحول والكافيين المفرط. ولمن يصوم، كرمضان، فالمقصود توزيع السوائل بين الإفطار والسحور بجرعات متتالية بدل شرب كمية كبيرة دفعة واحدة، وتقليل الأطعمة المالحة والمشروبات المنبهة التي تزيد العطش، وتناول الأطعمة الغنية بالماء كالشوربة والخضار والفواكه. وإذا كنت مريضًا مزمنًا فاسأل طبيبك عن ترتيب السوائل والأدوية أثناء الصيام.

من الفئات التي تحتاج إلى حذر خاص في شرب الماء: كبار السن والأطفال والحوامل ومرضى الكلى والقلب؟

كبار السن أكثر عرضة للجفاف لأن الإحساس بالعطش يضعف مع التقدم في العمر، وقد يتناولون أدوية مدرّة للبول، فيحتاجون إلى تذكير منتظم بالشرب حتى دون عطش. والأطفال يفقدون السوائل بسرعة في الحر والإسهال والحمى، ولذلك ينبغي عرض الماء عليهم بانتظام. وتحتاج الحامل والمرضع إلى كميات أعلى من الماء بحسب تقديرات الجهات الغذائية، لتعويض ما يحتاجه الجنين وإنتاج الحليب.

وفي المقابل، هناك من يُنصحون بتقييد السوائل، كمرضى فشل القلب الشديد وبعض أمراض الكلى المتقدمة وبعض اضطرابات الغدد، ومن ثم لا ينبغي لهؤلاء الالتزام بقاعدة الإكثار من الشرب بل الالتزام بما يحدده الطبيب. كما أن الإفراط الشديد في شرب الماء خلال وقت قصير، خصوصًا أثناء المجهود الطويل، قد يسبب انخفاضًا في صوديوم الدم، وهو أمر نادر لكنه خطير، فالمطلوب هو الاعتدال لا المبالغة.

كيف تبني عادة شرب كافٍ للماء دون أن تحمل زجاجة طوال النهار؟

اجعل الماء في متناول يدك: زجاجة على المكتب، وكوب بجانب السرير، وأخرى في السيارة. وربط الشرب بعادات ثابتة يسهّل الأمر، كأن تشرب كوبًا مع كل وجبة وآخر عند الاستيقاظ وآخر قبل الخروج. وإذا كنت تنسى فاستخدم تذكيرًا بسيطًا على هاتفك أو زجاجة مدرّجة تبيّن لك ما شربته، وإن مللت الطعم العادي فأضف شرائح ليمون أو خيار أو نعناع.

ولا تفرط في الاعتماد على الأرقام، فاستمع إلى جسمك: اشرب حين تعطش، وراقب لون البول، وزد الكمية في الحر والجهد والمرض، وقلّلها حين ترى أنك تتبول كثيرًا بلا حاجة. فالهدف ترطيب مناسب يرافقك طوال اليوم، وليس سباقًا لإنهاء كمية محددة قبل المغرب.

أسئلة شائعة عن شرب الماء

هل شرب الماء بكثرة ينحّف أو ينقّي البشرة؟

يساعد الماء على الشبع إذا شربته قبل الوجبة أو بدلًا من المشروبات المحلاة، لكنه لا يحرق الدهون بمفرده، ولا توجد أدلة قوية على أن الإكثار منه يصنع بشرة نضرة بقدر ما يفعل النوم والتغذية والحماية من الشمس. فالترطيب الجيد شرط للصحة لا وسيلة سحرية للجمال.

هل شرب الماء أثناء الأكل يضر بالهضم؟

لا توجد أدلة معتبرة على أن شرب كميات معتدلة من الماء مع الطعام يضر بالهضم، فهو يسهّل البلع ويساعد على الشعور بالراحة. وإن كنت تعاني من ارتجاع أو انتفاخ فجرّب تقليل الكمية أثناء الوجبة وراقب هل يتحسن حالك.

كيف أعرف أنني أشرب أكثر مما ينبغي؟

إذا كان بولك شفافًا تمامًا بصورة مستمرة وتتبول مرات كثيرة جدًا ويزعجك ذلك، فربما تفرط، ويستحسن تقليل الكمية. أما إذا ظهرت أعراض كصداع شديد أو غثيان أو تشوش بعد كمية كبيرة جدًا خلال وقت قصير فاطلب المساعدة الطبية. وهذا المقال معلومات عامة ولا يغني عن استشارة الطبيب في حالتك الخاصة.